القدس عاصمة فلسطين الأبدية

القدس عاصمة فلسطين الأبدية

جديد المواضيع

المناسبات الإسلامية >> النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) يجمعنا

Facebook Twitter WhatsApp Pinterest Google+ Addthis

النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) يجمعنا

 

السلام على الفجر الذي شهد طلوع نور محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) مُظهر الحق، وحامل رسالة التوحيد والطهارة والعدل والقسط الذي كان رحمةً للعالمين.
والحمد لله ربّ العالمين، الذي بعث محمّداً بالإسلام بشيراً ونذيراً، وجعله علينا حَكَماً، وأمرنا بطاعته، وأوجب التأسّي بسُنّته، واعتبرها من الدين على حدّ الوحي المبين، وسلامه على أئمة الهدى ومصابيح الدجى من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وعلى صحبه الأخيار المنتجبين.

 

نستهلّ الحديث بالحادثة المشهورة والمعروفة التي ما زال صداها يدوّي على امتداد التاريخ تعبيراً عن القيم التي تجمع بين الإسلام والمسيحية، بين رسالة عيسى (عليه السلام) ومحمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، وأعني بها تلك الواقعة التي جرت بين الملك النجاشي مع المسلمين الأوائل المهاجرين إلى الحبشة حيث وقف النجاشي بينهم وبين وفد قريش الذي جاءه مطالباً باسترداد هذه المجموعة التي فارقت قومها، وجاءت بالبدع على حدّ تعبير عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وتوجّه النجاشي إلى المسلمين مطالباً إيّاهم بالإفصاح عن حقيقة الدين الجديد، فانبرى جعفر بن أبي طالب قائلاً: "أيها الملك، كنّا قوماً أهلَ جاهلية نعبُدُ الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيءُ الجوار، ويأكلُ القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبَه وصدقه، وأمانته وعَفَافَه، فدعانا إلى الله لنوحِّدَهُ ونعبُدَه، ونخلع ما كنّا نعبُد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبدَ الله وحده، لا نشرك به شيئاً...".

 

وكان لهذه الكلمات التي اختصر بها جعفر قيم الإسلام ورسالة النبي(صلى الله عليه وآله) وما تحمله من أنوار إلهية ونفحات رحمانية الأثر العجيب في نفس النجاشي بحيث اغرورقت عيناه بالدموع فقال لجعفر: هل معك مما جاء به الله عن عيسى(عليه السلام) من شيء؟ فقرأ عليه جعفر آيات من مطلع سورة مريم(عليها السلام) التي تتحدث عن طهارتها وقداستها ومكانة المسيح (عليه السلام) في الإسلام، وعظمة شأنه، وجليل مقامه، فبكى النجاشي حتى اخضلّت لحيتُه بالدموع ثم قال: "إنّ هذا والذي جاء به عيسى(عليه السلام) ليخرج من مشكاة واحدة" وهو يقصد أن القرآن الكريم والإنجيل كلام الله وأنهما شيء واحد.
وفي بعض الروايات أنه رسم بعصاه على الأرض خطاً فاصلاً بينه وبين جعفر وأصحابه وقال: ليس بين دينكم وديني فاصلاً إلّا هذا الخط.
إذا كان محمد وعيسى(سلام الله عليهم) والقرآن والإنجيل من مشكاة واحدة، فما هو الذي بين المذاهب الإسلامية؟ وما هو الفاصل بينها؟.
وإذا كان هناك هذا الجامع الكبير بين الإسلام والمسيحية، فما هو الفارق والجامع بين المذاهب الإسلامية على تعدّدها وكثرتها.
أليس من المعيب بعد ذلك أن لا نقول بوجود المشتركات الكبيرة بين المذاهب الإسلامية بدءً من توحيد الله تعالى إلى كتابه العزيز وكعبته الشريفة وصولاً إلى رسول الإسلام الواحد الذي يجمع كل متفرقات المسلمين؟
إنّ عظمة ما جمع به رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأمة يتبين من خلال النظرة الدقيقة والموضوعية التي كانت عليه قبل بعثته الشريفة حيث الفساد الأخلاقي والمصادمات الدموية الكثيرة، واضطراب الأحوال الاجتماعية، ودفن البنات أحياء، والتصورات الخرافية عن الكثير من القضايا، وأكل الربا والقمار وجميع أنواع الفساد الاقتصادي، وقتل النفس التي حرّم الله تعالى، وعبادة الأصنام والأوثان.

 

 

لقد كانت الإغارة وكان النهب والقتال من العادات المستحكمة عند العرب، ومن الطبائع القوية في نفوسهم، وقد بلغ ولعهم وشغفهم بكل ذلك ونزوعهم الشديد إليه، وأنّ أحدهم سأل النبي (صلى الله عليه وآله) بعد أن سمع منه وصف الجنة وما فيها من نعيم. هل فيها قتال؟
ولما سمع الجواب بالنفي قال: إذن لا خير فيها!!
ولقد سجّل التاريخ للعرب ما يقرب من (1700) وقعة وحرباً، امتدّ أمدُ بعضها إلى مائة سنة أو أكثر، يعني أنّ أجيالاً كثيرة كانت تتوارث الحرب، وتستمرّ في قتال الخصم، وربّ حربٍ دامية طويلة الأمد اندلعت بسبب قضيّة تافهة مثل حرب "داحس والغبراء" التي نشأت بسبب سباق بين فرسين هما داحس والغبراء.
لقد كان العربي في العهد الجاهلي يعتقد أنّ الدم لا يغسله إلّا الدم، وجعلوا القتل وسفك الدماء من مفاخر الرجال.
ولذا كان التعبير القرآني: ﴿...وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا...﴾ 1.
في مثل هذه الأحوال المضطربة وفي هذا المجتمع المتفكّك بعث الله تعالى نبيّه محمداً (صلى الله عليه وآله) ليقول لهم: "كل مأثرة في الجاهلية تحت قَدَميّ"2.
وكانت خطواته الأولى بحسب ما يقوله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "دفن الله به الضغائن وأطفأ به الثوائر (العداوات)، ألّف به إخواناً وفرّق به أقراناً أعزّ به الذلّة وأذلّ به العزّة، كلامه بيان وصمته لسان"3.
"إنّ الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل، وأنتم العرب على شرّ دين.. تشربون الكدِر وتأكلون الجَشبَ وتسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة"4.
فكان (صلى الله عليه وآله) النور الساطع، والضياء اللامع، ومنار الهدى، وسفينة النجاة لتلك الأمة التي لا تملك شيئاً من القيم والمبادئ.

 

أشرق فجر محمد (صلّى الله عليه وآله)، وأطلّ بأنواره على البشرية، استطاع بمبادئه وقيمه أن يجمع الكلمة، ويطوي المآسي، فأنشأ من ذلك القطيع الجاهلي ﴿...خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...﴾5عقيدة وشريعة، وعلماً وأخلاقاً، فأهل الإيمان محل الكفر، والنظام محل الفوضى، والعلم محل الجهل، والسلام محل الحرب، والرحمة محل الانتقام.

 

وبنى (صلّى الله عليه وآله) أمة مثالية تجمعها راية القرآن الكريم، وقيادته المعصومة، وأصبحت أواصر الوحدة أقوى من أواصر الفرقة، وغدا المسلمون أمة واحدة، مرصوصة الصفّ شامخة الصرح، خفّاقة اللواء، لا تفرّقهم النعرات والفوارق.
ولذا قال ابن خلدون: "العرب لا يجمعهم إلّا الدين، فإذا تركوه فلا جامع لهم".

 

وجمع الناس ضمن قيم ومبادئ عديدة فكان عنوان رسالته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾6.

وجعل التآخي شريعة وقانوناً للمسلمين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾7.

ودعا إلى نبذ النعرات العصبية، ونزعاتها المفرّقة، وأبدلها بالحبّ والمؤاخاة، وليكونوا كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً.

ورغّب المسلمين في كل ما يؤلّف بينهم، ويحقق لهم العزّة والرخاء، كالتواصي بالحق، والتعاون على البر، والتناصر على العدل.

وحذّر المسلمين ممّا يبعث على الفرقة والعداء، والفحش والبذاء والاغتياب، والنميمة والخيانة والغش، ومبدأهم في ذلك قوله (صلّى الله عليه وآله): "المؤمن من أمنه الناس على أموالهم ودمائهم، والمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمهاجر من هجر السيئات"8.

وقال لهم في خطبة الوداع: "المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم"9.

 


هذا هو رسولنا الوحدويّ الجامع للكلمة بين أبناء الأمة الذي حاولت الصهيونية العالمية والحركة الوهابية وغيرها من الحركات التكفيرية أن تسلب عنه صفة الرحمة والمحبة والألفة لتجعل من رسالته سبيلاً إلى الاختلافات المدمّرة بين المسلمين، ولتمهّد الأرضية لهجوم الغرب وأعداء الأمة الإسلامية ليس على المسلمين فحسب بل على نفس الإسلام ونبي الإسلام، حيث شكّلت الاختلافات والتفرقة تهديداً حقيقياً للعالم الإسلامي ولكل مجتمع من مجتمعاته.

 

والمقاربة المنطقية والواقعية لحقيقة ما يجري اليوم في عالمنا الإسلامي، هو أنه وبعد عشرات السنين من الدعوة والعمل للوحدة الإسلامية، والتقارب بين المذاهب الإسلامية، والجهود القيّمة التي بذلت خلال القرون الأخيرة على طريق وحدة المسلمين، والتي نهض بها علماء كبار أمثال الشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد جمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، والشيخ محمد عبده، والشيخ محمود شلتوت وغيرهم وصولاً إلى الإمام الخميني (قدس سره) وسماحة السيد القائد الإمام علي الخامنئي (دام ظله).

ها نحن اليوم نعيش أسوأ العلاقات بين أتباع المذاهب الإسلامية من سوريا إلى العراق واليمن ولبنان وسائر دول العالم الإسلامي بفعل الحركات التكفيرية التي قلبت معايير محمد (صلّى الله عليه وآله) الجمعيّة، ورسالته التوحيدية، وقامت بأعمال القتل والذبح وعمليات التفجير وإصدار فتاوى التكفير.

 

ورغم صدور مواقف وفتاوى واضحة من مراجع الشيعة بحرمة سبّ الصحابة وشتم نساء النبي (صلّى الله عليه وآله)، وتدعو للتقارب بين المسلمين، فإنّ مساوئ هذه الحركات تأبى إلّا الإمعان في الفرقة والشرذمة.
فهل بات الأمر يستدعي التخلي عن شعار الوحدة الإسلامية المقدس والانتقال عنه في هذه المرحلة إلى الدعوة إلى "التعايش بين أتباع المذاهب" وأن يكون من حقّ كل إنسان أن يتّبع المذهب الذي يريد، وإلى شعار "حقّ الحياة".
ومن الإنصاف ومن البديهي أن نقول: إذا كان الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) لا يجمع الأمة الإسلامية فليس هناك من شيء يجمعها على الإطلاق.
وإذا لم يكن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو العنوان الذي تجتمع تحت رايته الأمّة الإسلاميّة، فهذا معناه أن نُغلق ونسدّ جميع أبواب الوحدة بين أبناء الأمّة، وبالتالي سوف نعود بشكل طبيعيّ إلى تلك الجاهليّة ومجتمعها وقيمها التي كانت قبل نبوّته وبعثته الشريفة، وتصبح القيم الحاكمة علينا هي تلك التي يعمل التكفيريون الجاهليون على إرسائها وهي القتل وسفك الدماء ونبش القبور وقطع الرؤوس.

 

فأيّ فرق بين العصابات التكفيريّة اليوم وأبناء الجاهليّة بالأمس؟.

 

 


1- سورة آل عمران:الآية 103.
2- السيرة النبوية: 3/412.
3- نهج البلاغة، الخطبة 96.
4- المصدر نفسه، الخطبة 26.
5- سورة آل عمران الآية: 110.
6- سورة الحجرات: الآية:13.
7- سورة الحجرات:الآية:10.
8- الوافي: 14/48.
9- الكافي: 1/403/ح1.

 

 

تدريب
72قراءة
2017-11-25 13:41:32

تعليقات الزوار


إعلانات

القدس عاصمة فلسطين الأبدية القدس عاصمة فلسطين الأبدية

إستبيان

تواصل معنا