الحسين مصباح الهدى

 

جديد المواضيع

خيمة الولاية >> الدرس الحادي عشر: الولاية بين الوحدة والتعدّد

Facebook Twitter WhatsApp Pinterest Google+ Addthis

الدرس الحادي عشر: الولاية بين الوحدة والتعدّد


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف أدلّة وحدة ولاية الأمر.
2- يتعرّف إلى صور تعدّد الوليّ.
3- يناقش فرضيّات التعدّد، و يُثبت بطلانها.

 

تمهيد
لقد مهَّد الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف لغيبته وانقطاعه عن الناس بما عُرف بالغيبة الصّغرى، والتي نصَّ فيها على أشخاص بأسمائهم وجعلهم وكلاءه وسفراءه، إليهم يرجع الناس في مسائلهم، وهم بدورهم يرجعون إلى الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، أمّا بعد وفاة السفير الرابع فقد جعل الإمام الولاية من بعده - بما دلّت عليه الروايات المتقدّمة - لأشخاص يحملون صفات معيَّنةً محدّدة تقدّم ذكرها أيضًا، ولم ينصّ عليها لشخص واحد بعينه، وعند توفّر الشروط في واحد من الفقهاء يتعيّن تلقائيًّا.

لكن لو فرضنا تعدّد الفقهاء الذين تتوفّر فيهم الشروط المتقدّمة، فهل تكون الولاية لكلّ واحد منهم أو لمجموعهم أو لأحدهم فقط؟ ولعلّ هذا الموضوع هو من الأبحاث المهمّة التي تختصّ بولاية الفقيه في العصر الحاضر.

 

وحدة ولاية الفقيه
قبل الدخول في صلب الموضوع ينبغي الإشارة إلى أنَّ البحث عن وحدة الولاية وتعدّدها سيكون بحسب القاعدة الأوليّة، أي ما ينبغي أن يكون عليه الأمر في الظروف الطبيعيّة، بعيدًا عن الظروف القاهرة التي تفرض التعدّد أو تفرض الوحدة. فإذا كانت القاعدة الأوليّة تقتضي وحدة الولاية، ومنعت الظروف من توحيدها وفرضت التعدّد، فعندئذٍ لا مانع منه، كما هو كلّ حكم أوّليّ تقتضي الضرورة رفع اليد عنه، وهو أولى من ترك الأمور كليًّا. كما أنَّ القاعدة الأوّليّة لو فرضت التعدّد، وكان الظرف يقتضي الوحدة، فإنَّه لا مانع منها عندئذٍ.

كما أنّه لا شكّ بأنَّ وحدة ولاية الفقيه غالبًا ما تكون هي الخيار الأفضل للأمَّة، لكنَّ البحث لن يكون في الأفضل، بل في الأصل ومقتضى القاعدة. وليس البحث أيضًا بلحاظ شخص استثنائيّ، أو زمن استثنائيّ، يُلزمنا بالوحدة أو بالتعدّد كما يحدث أحيانًا، وإنَّما بقطع النظر عن الأشخاص والخصوصيّات الزمانيّة والمكانيّة.

 

أدلّة وحدة ولاية الأمر
إنَّ القاعدة الأوّليّة تقتضي وحدة ولاية الأمر في عصر الغيبة، وفيما يلي نعرض الأدلّة على ذلك:
  1- حكم العقلاء:
إنَّ ما يحكم به العقلاء في جميع الأمم والشعوب والأديان أنَّ وجود رأس واحد لهذه الجماعة هو أمر لازم لصالح الجماعة، وأنَّ تعدّد القادة سوف يؤدّي إلى الإخلال بسير الأمّة نحو الرّقي والكمال المادّيّ والمعنويّ، وسوف يفرض الانقسام على الناس ويتيح الفرصة لتفكّك الجماعة، وإذا كان المسلمون أمّة واحدة، تحمل هدفًا واحدًا وعقيدة واحدة ومصادر مسيرتها في الحياة واحدة، فلا بدّ وأن يكون الشخص الذي يسير بها واحدًا.

  2- النصوص الصريحة:
لقد دلّت النصوص صراحة على وحدة القيادة في العالم الإسلاميّ، ونكتفي في هذا المبحث بذكر روايتين فقط:
  أ - الرواية المعتبرة عن الإمام الصادق عليه السلام "ما لكم وللرئاسات، إنَّما للمسلمين رأس واحد" .

  ب - عن الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا عليه السلام: "فإن قيل: فلِمَ لا يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد أو أكثر من ذلك؟ قيل: لعلل، منها: أنَّ الواحد لا يختلف فعله وتدبيره، والاثنين لا يتّفق فعلهما وتدبيرهما، وذلك أنَّا لم نجد اثنين إلّا مختلفي الهمّ والإرادة، فإذا كانا اثنين ثمَّ اختلف همُّهما وإرادتهما، وكان كلاهما مفترضَي الطاعة لم يكن أحدهما أولى بالطاعة من صاحبه، فيكون في ذلك اختلاف الخلق والتشاجر والفساد. ثمَّ لا يكون أحد مطيعًا لأحدهما إلّا وهو عاصٍ للآخر، فتعمّ المعصية أهل الأرض..." .

 

بعد أن تقدّمت الأدلّة العقلائية والنصوص الصريحة الدالة على وحدة الولي، وأنّ القاعدة الأوليّة هي الوحدة، من الضروريّ جدًّا أن نذكر الرأي المقابل للقول بالوحدة وهو التعدّد، وبعد توضيح هذا الرأي بكلّ صوره واحتمالاته، نتعرّض لكلّ احتمال وما يترتّب عليه من مفاسد ومشاكل ولوازم باطلة أو لا يمكن الالتزام بها، يتعيّن عندها ويتأكّد ما أثبتناه من قاعدة وهو القول بالوحدة، لأنّه لا بديل آخر، إمّا الوحدة وإمّا التعدّد.

نبدأ بذكر احتمالات تعدّد الوليّ، لنرى مبرِّراتها الشرعيّة ولوازمها العلميّة والعمليّة، بمعنى أنّه ماذا يترتّب من مفاسدٍ ومشاكل لو فرضنا تعدّد الولاية؟ لكي يبقى الخيار الثاني - وهو وحدة الولاية - هو الأفضل والأسلم. ويمكن تصوّر التعدّد من خلال الصور الآتية: 
الأولى: ثبوت الولاية الفعليّة لكلّ فقيه تتوفّر فيه الشروط، بحيث يكون لكلّ فقيه ولاية مستقلّة عن ولاية الباقين، مهما كثر عددهم.

وهذا الاحتمال لا يمكن اللجوء إليه، لأنَّه يلزم منه الاختلاف والفساد، وانعدام النظام، بينما المفروض أنَّ ولاية الأمر إنَّما شرِّعت لحفظ النّظام، وإدارة شؤون الناس، وحفظ الحقوق، وإقامة الدين، فهي لدفع الفساد لا لإحداثه، فهذا الاحتمال ساقط قطعًا.

الثانية: ثبوت الولاية الفعليّة للمجموع لا للجميع، أي ثبوت ولاية واحدة لمجموع الفقهاء الذين تتوفّر فيهم الشروط حال اجتماعهم، دون أن يكون لكلّ فقيه ولاية مستقلّة على حدة. ومعنى هذا الاحتمال أن يكون ما أجمعوا عليه (جميعًا ومعًا) حجّة على الناس ملزمًا لهم، فلا بدّ من اجتماعهم وإجماعهم على رأي واحد لتحصل القرارات الملزمة في النّظام.

وهذا الاحتمال أيضًا لا يمكن الالتزام به لعدّة وجوه:
1- لا يدلّ عليه دليل، ولا يمكن استنباطه من أدلّة ولاية الفقيه النقليّة، فضلاً عن الدّليل العقليّ.
2- إنّ آليّة تحصيل القرارات الملزمة تنحصر في اجتماعهم، وهو أمر لا يتيسّر، وإن تيسّر نادرًا فهو لا ينفع في المواقع التي تحتاج إلى متابعات يوميّة وإصدار الأوامر والنواهي والتعليمات كلّما اقتضى الشأن ذلك.

الثالثة: ثبوت شأنيّة الولاية لجميع الفقهاء الذين تتوفّر فيهم الشروط، وتكون فعليّة الولاية لواحدٍ فقط في الدائرة الواحدة، بمعنى صلاحيّة كلّ واحد منهم للولاية، وأهليّته لها، فإذا تعدّد الفقهاء في الدائرة الواحدة لا تكون الولاية الفعليّة إلّا لواحد منهم، وإذا تعدّدوا وكانت الدوائر متعدّدة يكون كلّ واحد منهم وليًّا بالفعل في دائرته الخاصّة.

وهذا الاحتمال هو الأشهر عند القائلين بتعدّد ولاية الفقيه، حيث يدَّعي أصحابه أنَّه لا يلزم منه الفساد الذي اقتضاه الاحتمال الأوّل، ولن يكون هناك تعارض بين أولياء الأمور الذين يعمل كلّ واحد منهم في دائرة مستقلّة عن الأخرى، واستدلّوا على ذلك بأنّ الأدلّة السابقة الشرعيّة مطلقة، بمعنى أنّها تنطبق على كلّ فقيه جامع للشّرائط، وهي غير مختصّة بفقيه واحد، إلاّ في الحالات التي يلزم من ثبوت الولاية لكلّ واحدٍ (التعدّد في الدائرة الواحدة) الفساد، وتبقى سائر الحالات على حالها.

وهو ما يصوّره هذا الاحتمال، بالضبط كما هو الأمر في القضاء، فإنَّ مقبولة عمر بن حنظلة التي يُستدلّ بها على ولاية الفقيه، قد استدلَّ بها الكثير من الفقهاء على ولاية القضاء، وهي ذاتها لم تمنع من تعدّد القضاة حتّى في البلد الواحد، ما لم يلزم منه الفساد، فلذا منعوا أن ينظر اثنان من القضاة في قضيّة واحدة ممّا يفتح الاحتمال على الاختلاف في الحكم وتكوين النزاع.

 

مناقشة فرضيّة التعدّد الثالثة
إلّا أنَّ هذا الاحتمال للتعدّد أيضًا مما لا ينبغي اللجوء إليه ولا الالتزام به وذلك لعدّة أمور:
 1- كيف نفهم كلام المعصوم عليه السلام؟
إننَّا إذا أردنا أن نفهم كلام المعصوم، لا بدّ وأن نفهمه ضمن القرائن العامّة التي يعيشها الناس في عصر الإمام عندما صدر منه الكلام، ومن القرائن العامّة ملاحظة المرتكزات الثابتة في أذهان الناس منذ صدر الإسلام حتّى العصور القريبة الماضية، وهي التي تتضمّن وحدة الوليّ والقائد ومن بيده الأمر، وإليه يرجع الناس في أمورهم العامّة. وهذا يمنع من شمول الأدلّة الشرعيّة السابقة - التي استدلّوا بها - لكلّ فقيه بمفرده، وهذا يعني عدم ثبوت التعدّد بنحو فعليٍّ لكلّ فقيه.

  2- هل يصحّ تقسيم الأمّة إلى دوائر؟
إنَّ تقسيم الأمّة والبلاد الإسلاميّة إلى دوائر متعدّدة، يخالف ظاهر كلِّ الأدلّة الشرعيّة التي كانت تنظر إلى الأمّة الإسلاميّة كوحدة غير مجزّأة، ولم يلحظ في شيء من الخطابات الشرعيّة أنَّها فرضت أن تكون الأمّة وحدات متعدّدة، وقد تقدّم.

  3- ما هي حدود التجزئة؟
لو سلّمنا وقبلنا القول بالتعدّد، فإنّنا لا نعرف المعيار الذي على أساسه تقسّم الأرض إلى دوائر، فإنَّ تعدّد الدوائر لن يقف عند حدٍّ معيّن، فإنَّ التجزئة إذا حصلت فلن تتوقّف حتّى في إطار المدينة الواحدة التي يمكن جعلها أكثر من دائرة، كما هو الحال في الدوائر البلديّة والإداريّة، وهذا بالنسبة إلى ولاية الأمر غاية في الفساد، يُقطع بعدم رضا الشريعة وصاحبها، والالتزام بتقسيمات محدودة لا معنى له، ولا يمكن تحديد ضابطته، فهل نعتمد أساس الجغرافيا والتجزئة الطبيعيّة أو الأساس اللغويّ أو القوميّ أو غير ذلك؟! وكلّ هذه الأسس لا يعترف بها الشرع كمنطلقات للفرز والتقسيم.

  4- مَن يحكم في قضايا الأمّة؟
إنّ الكثير من القضايا التي هي بحجم الأمّة، وتعني الإسلام ككلّ، مَن الذي سيبتُّ بها على فرض التعدّد؟! فلو دهم المسلمين عدوّ، فالأدلّة الشرعيّة تفرض وجوب الدفاع على كلِّ الأمّة دون فرق بين القريب والبعيد، فعندئذٍ كيف تكون الولاية ولمَن وعلى مَن؟! ومَن الذي يشخّص المصلحة والموقف ويُصدر الأمر؟!

وهكذا يظهر أنَّ احتمال التعدّد هذا يلزم منه الفساد ويترتّب عليه مشاكل لا تقبلها الشريعة المقدّسة، كما هو الحال في الاحتمال الأوّل، لا كما ادّعى أصحاب هذا الاحتمال.

  5- هل يصحّ قياس الولاية على القضاء؟
القياس على القضاء غير صحيح، لوجود الفارق الكبير بين الأمرين، فإنّ قضايا القضاء شخصيّة خاصّة، وقضايا الولاية عامّة غير شخصيّة، فإذا أمكن التعدّد في القضاء عند تعدّد القضايا وانتفاء الترابط بينها، فإنّ الأمر ليس كذلك في قضايا ولاية الأمر المترابطة والشاملة والتي تتعلّق في الغالب بالأمّة كلّ الأمّة الإسلاميّة بلا حدود جغرافية أو غيرها...، وعليه فإنّ التعدّد فيها يؤدّي إلى الخلل والفساد، وبالتالي لا يصحّ هذا القياس.

 

الرأي الصحيح
وعليه، فإنَّ الاحتمالات المتقدّمة التي فرضت التعدّد لا مجال لقبول شيء منها ولا الالتزام بها، ولا بدّ من المصير إلى القول بوحدة ولاية الأمر، وهو ما دلّت عليه الأدلّة كما تقدّم ولا يلزم منه أيّ خلل أو فساد، هذا إن لم نقل ببركات وخيرات الوحدة التي ظهرت جليّة في هذه الآونة.

فالنتيجة: إنَّ القاعدة الأوّليّة تقتضي وحدة ولاية الفقيه لكلّ الأمّة الإسلاميّة مهما اتّسعت، حتّى لو بلغت العالم أجمع.

وعليه، فإذا تعدَّد الفقهاء الذين لهم الأهليّة والشأنيّة لولاية الأمر يكون الأولى والمتعيّن هو أعلمهم وأقدرهم وأتقاهم، وهذا ما يرجع في شأن تعيينه العلمي، والكشف عنه إلى أهل الخبرة.

 


1- العلامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 69، ص 215.
2- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 6، ص 61. 
 

برامج
227قراءة
2021-02-27 00:41:09

تعليقات الزوار


إعلانات

 

أوفياء

إستبيان

تواصل معنا