12 سنة من العطاء

 

جديد المواضيع

مفوض البرامج >> الأسلوب القصصي القرآني

المبحث الأول:

الأسلوب القصصي القرآني:

 

إن القرآن كما يعبِّر عن نفسه كتاب هداية، بل وهداية للأفضل، "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوَم"، وبالتالي إن القصص جاءت في سياق هذا الأسلوب الهادي والمرشد والموجِّه للإنسان، وقد قيل بأن أهداف القرآن هي نفسها أهداف القصة القرآنية1 لكن لا بأس من ذكرها تأكيداً للفائدة.


1. إثبات الوقائع: إن القرآن الكريم عندما يذكر قصَّة من القصص التي مرَّت في تاريخ البشرية، إنما يذكرها من باب التأكيد على ثبوتها واقعاً لا خيالاً.


2. إثبات صدقيته: حيث أنه بذكر هذه القصص بحيثياتها الخاصة والشاملة والمفصلية يثبت أن هذا القرآن لم يكن حديثاً مفترى، خاصة أن هذه القصص قد ذكرت في بعض الكتب السماوية التي سبقت القرآن في المرحلة الزمانيَّة، والقرآن جاء ليذكرها على نحوٍ أدَق.


3. تنبيه الإنسان من غفلته: حيث ظانّ القصص وكما عبَّر عنها القرآن : "نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين" (يوسف 3).


4. أحسن القصص: الإشارة التي قدمتها للآية الآنفة "أحسن القصص" دلالة مباشرة وواضحة أن هناك قصص متناولة ومعروفة أو غير معروفة قد انتقى منها القرآن أحسنها من أجل هداية الإنسان ورشده.


5. وحدة الهدف: إنَّ اختلاف الوقائع لا تغيِّر بحقيقة الأمر شيء حيث إن هدف الإنسان وسعادته لا تتحقق بالوصول إلى كماله وهو القرب من الله تعالى "وإنَّ إلى ربَّك المنتهى".


6. وحدة المقصود: حيث أن الإشارة التي .كانت تقدَّم في نهاية كل قصَّة على قدرة الله تعالى وصفاته، تدل على وحدة المقصود والمراد.


7. ترابط القصص مع قصص الكتب السماوية الأخرى: وهو دليل على وحدة الرسالة الإلهية وحِرَفيَّة خلق الإنسان وهدايته وإرسال رُسَلِه والتأكيد على أنهم معلِّموا الإنسانية جمعاء.


8. تحريك الوجدان والعقل والقلب معاً: فيما تحمله من مفاهيم وأحكام عقلانية تقدَّم بقوالب فنيَّة وروائية جاذبة ومجببة للمستمع والقارئ فإنها تحرِّك الوجدان العاطفي وترفعه.


9. الإضاءة على أنواع الإنحرافات: وكيفية التعامل الربَّاني معها من خلال أنبيائه ورسله.


10. ضعف الإنسان وقدرته: حيث تبيّنَ هذه القصص القدرات الكامنة في شخصية الإنسان وكيفية استثمارها وكذلك ضعف هذا المخلوق أمام الله عزَّ وجل.


11. الإضاءة على أنماط الأقوام وكيفية تعامل النبي القائد (صلى الله عليه وآله) معهم: حيث نجد التفاخر والتكبُّر كسمة عامَّة عند قوم هود (عليه السلام)، أو الإسراف والتَرَف كما هو عند قوم نبي الله صالح (عليه السلام)، أو أصحاب السلوكيات المنحرفة كما هو عند قوم لوط (عليه السلام)، أو متعلِّقي وعباد المال يتلاعبون بالمعاملات كما هو عند قوم شعيب (عليه السلام)، وبعضهم مغرور بالثروة كما عند قوم نوح (عليه السلام) ... إلخ.


12. إن الأسلوب القصصي في القرآن ليس أسلوباً تاريخياً، بل يريد إيصال فكرة محددة ترمي إلى هداية الناس، ولهذا نجد أنه لا يروي القصة بتمام أطرافها وجهات وقوعها، وإنما يأخذ من القصة نكات متفرقة يوجب الإمعان والتأمل فيها حصول الغاية من عبرة أو حكمة أو موعظة أو غيرها2، وقد قال في محكمه "يريد الله ليبيِّن لكم و ويهديكم سنَنَ الذين من قبلكم" (النساء 26).


13. إيحاء من الغيب: حيث ورد ذلك في بعض الآيات منها "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيّهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون" (آل عمران 44).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لقد جاءت القصة في القرآن الكريم لتساهم في عملية التغيير الإنساني بجوانبها المتعددة، وبهذا الصدد نجد القصة القرآنية تستوعب في مضمونها وهدفها جميع الأغراض الرئيسية التي جاء من أجلها القرآن الكريم: علوم القرآن، السيد محمد باقر الحكيم، ص353.
2 تفسير الميزان، السيد الطبطبائي ج2/ ص308



المبحث الثاني:

 

العوامل المساعدة في صياغة الشخصية القيادية على ضوء القصص القرآنية

 


- البيئة العائلية المتديِّنة:


تحتلّ الأسرة شكل من عوامل مؤثرة على المستوى التربوي للفرد والمجتمع دوراً رائداً في صناعة وصياغة شخصية الإنسان، حيث تزرع فيه بذور القيم والمرتكزات العقائدية والفكرية والأخلاقية والسوكية الأوليَّة، فشكَّل بذلك منظمومة العناصر المؤثرة والفاعلة في تكوين نمط شخصيته وتفكيره ولهذا نجد الروايات العديدة التي تشير إلى تأثير الأبوين على توجيهه أو انحرافه "الولد يولد على الفطرة ...".


أما على المستوى القرآني فنجد ما يلي:


أن يوسف (عليه السلام) الذي ولد في بيئة عائلية محضة بالمعنى الربوي والديني، حيث ترعرع في كنف النبوة مع أبيه يعقوب (عليه السلام) والذي تعاهده بالعناية وبالرعاية والاهتمام، إذ إننا من خلال الآية الكريمة والتي كانت على لسان اخوة يوسف (عليه السلام) قولة تعالى: "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين" (يوسف 9), يتبيّن لنا ما يلي:


1. أن عناية النبي يعقوب (عليه السلام) كانت عناية الأب الرؤوم لابنه والذي يحظى بمكانة خاصة واهتمام لافت، وإلا لم يقولوا: "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم" حيث يمكن أن يفهم منه العناية التي يوليها يعقوب (عليه السلام) لابنه يوسف تتحول إليهم بقتلهم يوسف (عليه السلام).

2. أن يوسف (عليه السلام) كان يأخذ قسطاً كبيراً من اهتمام ومتابعة أبيه النبي يعقوب (عليه السلام) وإلا لم يقولوا "يخلُ لكم وجه أبيكم".

3. أن التأثير التربوي الذي كان يقوم به النبي يعقوب (عليه السلام) على أبنائه وأسرته كانت شاملة وعامة مع خصوصية الاهتمام بالنبي يوسف (عليه السلام)، ولهذا نجد أخوة يوسف (عليه السلام) يحملون بذور صالحة وسليمة بالرغم من سلوكياتهم الخاطئة باتجاه يوسف (عليه السلام)، حيث قالوا: "وتكونوا من بعده قوماً صالحين" وهذا ما يعبّر تأثرهم بالدور التربوي للنبي يعقوب (عليه السلام) وبطريقة أولى يكون التأثير على النبي يوسف (عليه السلام) صاحب الروح الطاهرة والسليمة.

4. الحوار التربوي الأبوي المحاط بالمحبة والمودّة التي يلقيها يعقوب (عليه السلام) على ابنه يوسف (عليه السلام) حيث يتبيّن لنا ذلك من الآية المباركة: إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيتُ أحد عشرَ كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين * قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا إنّ الشيطان للإنسان عدوٌ مبين". (يوسف (4-5). فذِكْرُ "يا أبتِ" من يوسف (عليه السلام) وذِكرُ "يا بنيَّ" من يعقوب (عليه السلام) يدلان على ذلك.

5. المتابعة المستمرَّة ليوسف (عليه السلام) من قِبَل النبي يعقوب (عليه السلام)، حيث أنه من خلال الآية السابقة يتبيّن أن مصارحة النبي يوسف لأبيه بالرؤية التي رآها يدلُّ على التواصل المستمر والقائم بينهما، حتى بأدق التفاصيل.

6. إهتمام النبي يعقوب (عليه السلام) بالمواضيع التي يطرحها ابنه ومتابعتها وأخذها على نحو العناية والرعاية، وهذا الأمر يتبيّن لنا من موقف النبي يعقوب (عليه السلام) إزاء رؤية يوسف (عليه السلام).

7. إهتمام ومعرفة النبي يعقوب (عليه السلام) المربِّي المؤثِّر لطباع أبنائه وخصائص وسمات شخصياتهم، حيث قال ليوسف (عليه السلام) أن لا يقصص رؤياه على اخوته لمعرفته بردَّة فعلهم، وهذا ما يدل على دراسته (عليه السلام) لخصائصهم النفسيَّة والسلوكيَّة.

8. إهتمام النبي يعقوب (عليه السلام) لحاجات المراحل العمرية لدى أبنائه، حيث أنه من خلال الآية "أرسِلْهُ مَعَنَا يرتَعْ ويَلْعَب" لما تحمله من إشارات إلى أن إخوة يوسف (عليه السلام) خاطبوا أباهم بما يهتم لشأنه عند يوسف (عليه السلام) "يرتَعْ ويَلْعَب".

 

 

 

مفوض البرامج
1752قراءة
2016-01-29 23:36:13

تعليقات الزوار


إعلانات

 

 

12 سنة من العطاء

إستبيان

تواصل معنا